الأحد، 15 نوفمبر 2015

                                  الكويت التي في خاطري " 1 "
                                  برتقالة أنت ونحن بعض الرحيق  
بقلم : بدرالدين حسن علي
                           كتبت في الماضي القريب بعض ذكريات عن السودان ، وخاصة فترة تواجدي ب " الحوش " الإذاعة والتلفزيون و المسرح القومي بأم درمان للفترة من 1968 وحتى عام 1975  السنة التي تم فيها فصلي من العمل في عهد حكومة مايو ، بخطاب مطول بتوقيع بونا ملوال وكان وقتها وزير دولة بالإعلام ،  معظمه ترهات وأكاذيب وكان تتويجا لسلسلة من النقل التعسفي والتحقيقات والإعتقالات ، وهي ذات الفترة التي درست فيها بجامعة القاهرة لأشهر قليلة  والإنتقال إلى معهد الموسيقى والمسرح  بناء على رغبة خالي الراحل المقيم الفكي عبد الرحمن ، إلى أن أرغمتني الأسرة على ترك السودان ، فكانت أول محطة هي مصر ثم العراق فالكويت ، وحاليا في كندا .
                                       الكويت التي أعرفها
                       زرت الكثير من البلدان العربية والإفريقية والأوروبية ، ولكن طاب لي المقام في ثلاث بلدان عربية هي : مصر – العراق والكويت ،  ولي فيها جميعا ذكريات حميمة جدا تستحق أن يعرفها الناس ، كتبت من قبل عن مصر وعن شعبها ومثقفيها ، وكتبت أيضا عن العراق  ،لذا سيكون تركيزي في هذه الحلقة عن الكويت لأني عشت فيها للفترة من عام 1978 وحتى عام 1990  ذلك يعني 12 عاما هي من أهم سنوات حياتي ، وما كنت سأخرج منها لولا الغزو العراقي
                     كانت أول محطة لي في الكويت مع إذاعتها التي دامت نحو عام كامل ، ثم إنتقلت إلى الإتحاد العام لعمال الكويت حيث أسست مع بعض الشباب فرقة المسرح العمالي ، بدأت بإعطائهم دروس في المسرح ، تاريخه ونظريات التمثيل بتركيز شديد على تجارب  الروسي ستانسلافسكي وهو من أكبر خبراء المسرح والتمثيل في العالم وله كتاب مشهور بعنوان " إعداد الممثل "   ،و مستفيدا من الفترة التي قضيتها أستاذا بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح  1973 – 1975 ، ثم إنتقلت بهم إلى التدريب العملي لفن التمثيل ، كانت المجموعة تتكون من عشرة أفراد هم اليوم من كبار الممثلين في الكويت .
                  أخرجت للفرقة مسرحيتين ، الأولى كانت بعنوان  "عمال" وهي من فصلين وتأليفي باللغة العربية الفصحى وقام الممثل الكويتي سمير القلاف بتكويتها ، كان العرض المسرحي أكثر من رائع ، جذب تقريبا معظم جمهور العاملين في القطاعين الحكومي والنفطي ،  أما المسرحية الثانية فكانت بعنوان " حكاية الرجل الذي أصبح كلبا " وهي أيضا من فصلين للكاتب المسرحي أوزفالد دراكون ومن إعداد الفنان العراقي المسرحي الراحل قاسم محمد وكان من أعز أصدقائي الذين تعرفت عليهم في مشواري مع المسرح .
                   المسرحية لفتت إنتباه الكثيرين من رواد المسرح الكويتي وكتبت عنها الصحافة الكويتية أشادت فيها بفرقة المسرح العمالي باعتبارها فرقة حديثة ولها مستقبل في حركة المسرح الكويتي ، وهي ذات المسرحية التي عرفتني بأهم المسرحيين الكويتيين وعلى رأسهم صقر الرشود وغانم الصالح ، وكان مكان العرض هو مسرح الإتحاد العام لعمال الكويت بميدان حولي ، ما كان من الممكن عرض المسرحية على مسارح الكويت نظرا لضعف الإمكانيات المادية ، إلا أن تجربة المسرحيتين تبقى ذكرى حميمة جدا كم كنت أود أن تستمر لولا القرار المفاجيء الذي صدر بتكليفي إدارة معهد الثقافة العمالية التابع للإتحاد العام لعمال الكويت . وهكذا قضيت في الكويت 12 عاما تعتبر من أجمل وأروع سنوات العمر ، فقد تمكنت خلال هذه السنوات من زيارة العديد من الدول العربية والأجنبية ، وتوجت أيضا من الفنانة السينمائية الراحلة المقيمة حوريه حسن حاكم وأنجبت كريمتي مهيرة وهي اليوم مخرجة تلفزيونية ليكتمل المثلث المعروف مسرح – سينما وتلفزيون .

  

                     الفيلم الكندي " عالمان "
           قد نخرج من الوطن المنكوب لكنه لن يخرج منا
بقلم : بدرالدين حسن علي
                              منذ أول فيلم سينمائي شاهدته في حياتي " صراع في الوادي " لسيدة الشاشة العربية النجمة فاتن حمامة وعمر الشريف ، تعلمت ضرورة وأهمية الحرية للسينما ، لا يهم أن تتفق أو تختلف حول فيلم ما ، ولكن من المهم جدا أن تحظى السينما بالحرية ، وأن تكون النظرة إليه موضوعية .

                   سوريا اليوم تمر بظروف صعبة جدا ، والأوضاع فيها متردية جدا ، وبالطبع لا يمكن فصل الفن عن حياة البشر ومعاناتهم وظروفهم ،سوريا اليوم دخلت بين كفي كماشة ، الولايات المتدة وأتباعها من جهة ، وروسيا وأتباعها من الجهة الأخرى ، كل طرف يسعى لتحقيق أهدافه وأجندته ، ولكن يلاحظ أن روسيا ترمي بثقلها في سوريا لمنع أمريكا وإسرائيل من أخذها لقمة سهلة ، خاصة وأن داعش أيضا لها أجندنها ، ولا ننسى الجيش الحر وقوى أخرى لها أجندتها ، ووسط هذا الزخم السياسي المتصارع هتاك الفن ، وهناك حرية الفن
                                        | مؤخرا شاهدت فيلم "Deux mondes"، أي "عالمان"، شريط قصير مدته ربع ساعة، بطلاه سامي الذي جاء إلى مونتريال هرباً من جحيم الحرب في سوريا، حيث تعرض للتعذيب بسبب معارضته النظام الحاكم، وعمه أحمد الذي هاجر إلى مونتريال قبل 30 عاماً بعد أن سُجن بسبب معارضته للنظام.، فيلم رم مدته القصيرة يعكس الصراع الدائر في سوريا .
                                        الممثل اللبناني المقيم في كندا إيلي جان طحشي يقوم بدور سامي، فيما يقوم الممثل الكندي المغربي الأصل محمد لطفي،  المعروف في الوسط الفني الكيبيكي بدور أحمد. .
                                        والفيلم من إخراج الكندي اللبناني الأصل المولود في ساحل العاج ستيفان مكرزل والأميركية التونسية الأصل مريام جوبر.
                                         يرينا الفيلم أن سامي غير مندمج في محيطه الجديد: هو غير متحمّس للعمل في مطعم عمه حيث يعمل في غسل الصحون، هو في كندا بجسده لكنه لا يزال في سوريا بفكره وذهنه.
                              ونرى سامي في وضع نفسي بالغ الصعوبة وفي حالة ندم مرير على مغادرة سوريا عندما يعلم بوقوع انفجار في دمشق في محيط الجامعة التي تدرس فيها شقيقته نسرين ، الإنفجار  أوقع مئات القتلى والجرحى، وجعل أسرة نسرين دون أخبار عنها: هل قُتلت؟ هل نجت؟ أم هي في عداد المفقودينكما يقول له عمه أحمد. أما سامي فمقتنع أنها قُتلت في الانفجار، وهذا ما يزيد من غضبه وندمه على مغادرة الوطن ويعزز لديه الرغبة بالعودة إلى سوريا. أما عمه فيقول له "سوريا انتهت".، وضع شبيه بما يحدث في السودان بسبب الحرب
                             عُرض فيلم "Deux mondes" في مهرجان كان السينمائي الدولي في  (مايو) الماضي   في إطار "زاوية الأفلام القصيرة" (Short Film Corner) بعد أن تم اختياره لهذه الغاية من قبل مؤسسة "تيليفيلم كندا" (Telefilm Canada) التابعة لوزارة التراث الكندية، وهو لم يُعرض بعد في كندا.
عندما شاهدت الفيلم حالت في خاطري مآسي الحرب ومخاطرها ، القصص المحزنة التي تفجرها الحرب ، الثمن الغالي الذي يدفعه الشعب ، بعد الفيل جلست أفكر وأتساءل ما هو الصحيح ؟ سؤال قاسي مع هذا التفكك العربي والصراع المر في داخل سوريا والإعلام الذي لا يكف عن توصيل رسالته بطرق شرعية أو غير شرعية ، الفيلم قطعة موسيقية حزينة !!!
                              
      ممثلات سودانيات - آسيا عبدالماجد

                                          
         بقلم : بدرالدين حسن علي
                                                                                                                                                                                                                                                                                         الحديث عن الممثلات المسرحيات في المسرح السوداني ذو شجون ، ولعله إمتداد للحديث عن النجوم التمثيلية الرائعة أمثال آسيا عبدالماجد الزوجة السابقة للشاعر الكبير محمد الفيتوري ولا أدري إختفت لماذا على الرغم من أنها تمتلك حاسة فنية يندر وجودها ، وما يؤلم أن الكثير من السودانيين لا يعرفونها  .
                    آسيا عبدالماجد احدى رائدات المسرح فى السودان واسمها بالكامل اسيا محمد توم الطاهر الكتيابى من مواليد 1945 م تلقت تعليمها الاولى بمدرسة عبد المنعم الاولية ثم كررى المتوسطة وفى العام 1956م التحقت بكلية المعلمات وعملت استاذة بنفس الكلية 1960م كما درست باكاديمية الفنون المسرحية بالقاهرة من 1968-1972م بقسم التمثيل ، اول تجربة مسرحية مكتملة ( بامسيكا ) وهى اول  ممثلة سودانية تصعد خشبة المسرح القومى بأم درمان  فى مسرحية سوبا ومسرحية المك نمر اخراج الفكى عبد الرحمن و من مسرحياتها سنارالمحروسة وإبليس ...                
                  كما شاركت الممثلة اسيا عبد الماجد بالتمثيل فى عدد من البرامج الاذاعية منذ منتصف ستينات القرن الماضى وكان اول عمل درامى لها بالاذاعة فى برنامج محكمة المجتمع ومن اميز الاعمال الدرامية الاذاعية التى اشتركت بها فاطمة السمحة – المقاصيف – البيت المسكون وعند بداية التلفزيون كان لها حضوركبير من خلال سلسة رمضانيات للفاضل سعيد كما كان للرائدة اسيا عبد الماجد الفضل فى تكوين اول فرقة للفنون الشعبية 1965 .





   ما أروعك أيها الكاتب المسرحي الكبير آرثر ميللر
بقلم : بدرالدين حسن علي
                              جاء في الأخبار أن أمريكا ستحتفل الشهر المقبل بعيد ميلاد الكاتب المسرحي الكبير آرثر ميللر" 17/10/1915 - 10/2/2005 " ، وهو أحد ثلاثة فرسان أنجبهم المسرح الأمريكي " تينيسي وليامز ويوجين أونيل " .
                           هذا الميللر قدمنا له على خشبة المسرح القومي بأم درمان في ستينات القرن الماضي مسرحية " الثمن " من إخراج صلاح قولة وهي مسرحية تناقش قضية عائلية ، فهي ضمن المسرح الإجتماعي الذي كتب عنه آرثر ميللر ، فالمسرحية تدور بين أربع شخصيات فقط وتعتمد على الحوار ويعمد فيها ميللر للتمعن في تأثير الماضي في الحاضر ومسائل مثل الشعور بالذنب ، وكانت هذه قضية تخص المجتمع الأمريكي في ذلك الوقت ، ولكنها تخص المجتمع السوداني والمجتمعات العربية وهذا ما حاول صلاح قولة معالجته ، وصحيح أن المسرحية لم تجد إقبالا ولكنها طرحت قضية كانت تستحق الإهتمام ، وقامت مدام ليزا  بتدريسها لنا بمعهد الموسيقى والمسرح في السبعينات هي ومسرحية " منظر من الجسر " ، وقد أحببتهما كلاهما ، كما أحببت مسرح آرثر ميللر ، وأذكر أني قلت لقولة " إختيارك صائب جدا وسيحفظ لك التاريخ هذا العمل الرائع " ، وإلى جانب هاتين المسرحيتين له أيضا مسرحية " وفاة بائع متجول " و البوتقة " ومسرحية " كلهم أبنائي " ، وهو زوج الممثلة الشهيرة مارلين مونرو، وزوج الرائعة إتج مورات
متجول " ، أخرج له المخرج الكبير الأمريكي التركي المولد مسرحية " وفاة  بائع متجول "   والتي فازت بثلاث جوائز عالمية
                                آرثر ميللر قضى 61 عاما في عالم المسرح ، وكان من كبار المدافعين عن الحرية الفكرية ، منددا بكل أشكال القمع ، وكان من المنادين بفكرة مسرح لكل الناس .


      
      
      
Visit Yesterday : 46      
nth : 864      
      
   
erver Time: 15-10-17
plugins by Bali Web Design

      
       
   


سينما 
                              فيلم آخر ملوك سكوتلاندا سينما للتسلية
بقلم : بدرالدين حسن علي



                           الخيال في السينما عنصر أساسي ، والمقصود الخيال القائم على الموضوعية ، وليس الشطحات ، الخيال مرتبط بالإبهار ، ولكنه الإبهار الذي يعتمد المعقولية وليس الإبهار من أجل الإبهار ،فيلم   آخر ملوك اسكتلندا'  أستطيع أن أقول فيلم للتسلية ،  و هو  لا يمت بصلة الى ملوك اسكتلندا، وانما هو لقب أطلقه 'عيدي أمين'، على نفسه، وعيدي هذا هو ذلك الدكتاتور الغريب الأطوار الذي حكم أوغندا بمساعدة البريطانيين فى الفترة من 1970 وحتى 1979، وانتهى حكمه بانقلاب عسكري ليقضي سنواته الأخيرة في عزلة حتى قضى نحبه في عام 2003.
ا                                     ا لفيلم لا يقتصر على الحقائق التاريخية وحدها، فهو لايقدم وثيقة تسجيلية او سردا تاريخيا عن وقائع معروفة  ،وانما يقدم رؤية تمزج بين الواقع والخيال، اذ يعتمد على رواية كتبها الصحافي الانجليزي جيلز فودن ونشرت في عام 1998 وحصلت على العديد من الجوائز الأدبية، وفيها نرى الأحداث من خلال شخصية خيالية، لشاب اسكتلندي مغامر، يذهب الى قلب القارة السوداء ليجد نفسه قريبا من عيدي أمين، فكأن الرواية والفيلم الذي كتبه بيتر مورجان وجيريمي بروك، وأخرجه كيفين ماكدونالد يريدان منا كمتفرجين أن نرى الحكاية من خلال وجهة نظر غربي أبيض، وهو الأمر الذي يفرض علينا قدرا من التحفظ في الحكم على موضوعية هذه الرؤية.

                            تبدأ الأحداث في عام 1971 في اسكتلندا، حيث نرى الشاب نيكولاس جاريجان (جيمس ماكفوي) الطبيب المتخرج حديثا وفكر في الاستقلال عن عائلته والبحث عن مستقبل مختلف، انه يدير نموذجا لكرة أرضية ويغمض عينيه ويضع يده على الكرة فاذا بها تقع على أوغندا، وها هو يشد الرحال اليها حيث يستقل حافلة تأخذه الى قرية صغيرة نائية، ليعمل مساعدا للطبيب ميريت (آدام كوتز) لكنه في عنفوان الشباب يخوض مغامرة عاطفية مع سارة (جيليان أندرسن) زوجة الطبيب. و مصادفات الرواية والفيلم تجعله يصل الى أوغندا في اليوم نفسه الذي اعتلى فيه عيدي أمين كرسي السلطة على اثر انقلاب عسكري، كما أن المصادفات تجعل عيدي أمين يصاب اصابة طفيفة في حادث سيارة بالقرب من القرية، وعندما يستدعون نيكولاس لعلاج الحاكم تكون تلك هي البداية لعلاقة حميمة بين الرئيس والطبيب.

                        الممثل الاميركي فوريست ويتكر يجسد شخصية عيدي أمين ويمسك ويتكر بذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين وجهين للدكتاتور الاوغندي، الأول طفل طيب لطيف المعشر عذب اللسان خفيف الظل، بينما الآخر لشخص يقف على حافة جنون العظمة والشك في الآخرين. هذا التناقض هو الذي يجعل الاقتراب من تلك الشخصية مغامرة محفوفة بالمخاطر لكنها تغري أيضا بالدخول اليها، لذلك لم يملك نيكولاس الطبيب الصغير أن يرفض عرض عيدي أمين بأن يكون طبيبه الشخصي، وهكذا ينتقل نيكولاس من القرية الفقيرة الى العاصمة المبهرة كمبالا.
                            في النصف الأول من الفيلم نرى العاصمة ذات الطابع الانجليزي العتيق ونشاهد نيكولاس وهو يستمتع من خلال موقعه الجديد بالمباهج التي أتاحها له اقترابه من الحاكم، يسكن في شقة فاخرة، ويسهر في النوادي الليلية، ويطوف في المدينة بسيارته الفارهة، فهو لا يرى من افريقيا الا ذلك المنجم المتخم بالملذات. لن يعبأ نيكولاس في البداية بمخاطر اللعب مع الطاغية، ولن يلتفت الى تحذير رجل المخابرات البريطانية الغامض ستون (سايمون ماكبيرني) الذي كان أحد أعضاء فريق العمليات السرية وراء وصول عيدي أمين ذاته الى السلطة، ولعله كان الفريق نفسه الذي أطاح به عنها بعد سنوات قليلة، بل إن ستون يجعل من نيكولاس من دون أن يشعر هذا الأخير أداته ليراقب الطاغية، وهكذا تنتهي الحال بنيكولاس وقد أوهم نفسه بأنه الناصح الأمين لعيدي أمين، وشريكه في نقل الحضارة الى أوغندا. وقد يكون العكس صحيحا فقد مارس عيدي امين على الطبيب الصغير كل فنون الايهام والاقناع. وقع نيكولاس اذن باختياره في سحر الطاغية، وربما كان يستغل لعب دور المفتون بقرارات عيدي أمين، الذي صارحه عدة مرات باعجابه باسكتلندا والاسكتلنديين حتى انه أطلق أسماء اسكتلندية على بعض أبنائه، كما كان يرتدي أحيانا الزي القومي للاسكتلنديين، وخلع على نفسه من بين الألقاب العديدة التي أطلقها لقب 'آخر ملوك اسكتلندا'، لكن شيئا فشيئا تتفتح عينا نيكولاس على الحقيقة، حين يكتشف اختفاء بعض معارضي الطاغية على نحو غامض. كما أنه يصحبه ذات يوم في جولة يتعرض فيها لكمين لكن نيكولاس يفلح في الافلات بعيدي أمين، ليدرك الطريقة الوحشية التي يتخلص بها الحاكم من خصومه. هذه الوحشية تزداد ضراوة عندما يأمر عيدي أمين بطرد عشرات الآلاف من ذوي الأصول الآسيوية (معظمهم من الهنود) على رغم أن الاقتصاد الأوغندي يقوم على أكتافهم.

                                 على طريقة افلام الاكشن والاثارة يضيف السيناريو التشويق البوليسي للحدوتة ويقيم نيكولاس علاقة عاطفية مع كاي (كيري واشنطن) احدى زوجات عيدي أمين، وهو الأمر الذي يضعه دائما على حافة الخطر، وعندما يتيقن نيكولاس من أنه وصل في علاقته بالطاغية الى طريق مسدود يقرر أن يغادر البلاد، ويلجأ الى رجل المخابرات ستون الذي يساومه من خلال صفقة ينبغي فيها على نيكولاس أن يغتال عيدي أمين. عند تلك النقطة يفقد الفيلم بعضا من الزخم السياسي الذي بدأ به، ويتحول الى تشويق مفتعل.

                             الفيلم السيناريو يقدم وجهة نظر اوروبية لفترة حكم عيدي امين من خلال رواية الطبيب نيكولاس وهي رواية تفتقد المنطق في بعض الاحيان وتفتقد الموضوعية في البعض الاخر. فالصدفة هي التي اوصلت نيكولاس الى اوغندا والصدفة هي التي جمعت عيدي امين بالطبيب لاول مرة والصدفة هي التي جعلت الطبيب قادرا على الفرار والهرب من اوغندا في نهاية الفيلم. والسيناريو والفيلم لم يوضحا لنا ما الاسباب التي جعلت بريطانيا تساعد عيدي امين على الوصول إلى الحكم وهي تعرف - هذا مفترض قبل اختياره ـ انه غريب الاطوار ومزاجي ودكتاتور ـ السيناريو لم يقدم لنا شخصية نيكولاس بطريقة مقنعة فهو منذ وصوله يغوى خيانة اصدقائه فهو يقيم علاقة مع سارة زوجة الطبيب ثم مع زوجة عيدي امين وهو يشارك منذ البداية فى الاعمال اللااخلاقية لعيدي امين وعندما يصل في النهاية الى اتخاذ موقف ضد الدكتاتور فان موقفه يفتقد وجود رفض حقيقي لما يحدث على يد الدكتاتور في اوغندا وانما موقف نيكولاس يعتمد فى جزء كبير منه على توتره وفشله في معالجة موضوع خيانته لعيدي امين. ويتعامل السيناريو مع الشخصيات والافكار من وجهة نظر اوروبية فخيانة نيكولاس لعيدي امين هي شيء عادي يجب المرور عليه بسرعة اما انتقام عيدي امين عندما يعلم بالخيانة فانه تصرف همجي وبربري وغير حضاري . كما اغفل السيناريو ايضا تقديم صورة بانورامية للحياة في اوغندا ابان فترة حكم عيدي امين وسيطر عيدي امين الفرد والدكتاتور على اغلب احداث الفيلم ولم نقترب كثيرا من حسناته او سيئاته.

                                الفيلم  استطاع الى حد كبير ان يقربنا من أجواء الأحداث في السبعينات من القرن الماضي ونجح فورست ويتكر فى تجسيد شخصية عيدي امين، واستطاع ان ينتقل ببراعة بين الاوجه المختلفة للشخصية، كما نجح المخرج فى ادارة بقية الممثلين ليقدموا عرضا تمثيليا لايخلو من التفرد والابهار. وساهمت الموسيقى التصويرية في التعبير عن الأحداث في تلك المشاهد التى تنوعت ألوانها مابين الحزن والفرح.
                              'اخر ملوك اسكتلندا'، من الصعب اعتباره فيلما تاريخيا، كما انه لايمثل وثيقة محايدة يمكن الرجوع اليها للتعرف على الاحداث وانما يمكن اعتباره مجرد وجهة نظر قد نرفضها او نتفق معها لكن من المؤكد انها تحمل قدرا من التسلية.
                                                بانوراما أخبار العرب الثقافية
يحررها : بدرالدين حسن علي
                                             السيرة الذاتية للفنان الفكي عبدالرحمن

                                 من مواليد مدينة تنقاسي بالولاية الشمالية في العام 1933 ، تلقى دراسته بخلوة الشيخ عبد الله بتنقاسي ثم خلوة الشيخ محمد صالح ، وفي العام 1937 سافرت أسرته إلى مدينة عطبرة للاستقرار بها حيث التحق بالمدرسة الابتدائية الثانية بعطبرة  ،وفي نوفمبر 1944 شد الرحال إلى مدينة الدويم للدراسة بمعهد التربية
ببخت الرضا  ، كون وهو طالب بمعهد التربية ببخت الرضا فرقة تمثيل وإن لم تكن الأولى ولكن كانت الأقوى أنداك وكان قد سبقه في ذلك الأستاذ المربي والكاتب المسرحي عبد الرحمن علي طه حيث كانت تقوم تلك الفرقة بتمثيل مسرحيات وليم شكسبير بمسرح بخت الرضا العتيق ، وفي العام 1950 م تخرج من المعهد وعمل بعد ذلك بنفس المعهد
                                 في العام 1953 م تم ابتعاثه لمصر لدراسة المسرح بالمعهد العالي للتمثيل بالقاهرة  ،وقام الأستاذان جورج ابيض صاحب الفرقة المسرحية الشهيرة (فرقة جورج ابيض) وعزيز أباظة وهو شاعر ومؤلف مسرحي بوضع برنامج يتناسب مع إمكانياته وخبراته السابقة ،  حيث كان تحت إشرافهما المباشر وتعلم منها الكثير نظريا وعلميا ،  وزامل خلال تلك الفترة الممثل الكبير الراحل حمدي غيث والممثلة زهرة العلا  ،ومن الطلبة السودانيين خالد أبوالروس  والذي كان يدرس على نفقته الخاصة ،  وبعد تخرجه لم يعد للسودان ولكنه عمل بالخارج, كما كان يزور حينها المعهد طالب سوداني يدرس الطب ويهوى المسرح ويتعلمه طالبا غير نظامي وهو الدكتور علي البدوي المبارك مؤلف مسرحية الدهباية  ،وفي المجالات الأخرى من المبعوثين كان شريف أحمد خاطر للتربية وعمر حسين راسخ للفنون التشكيلية  ، وعاد بعد ذلك للسودان لمواصلة عمله ببخت الرضا
                                في العام 1956 م تم ابتعاثه إلى المملكة المتحدة لدراسة التربية وزامل خلال   تلك الفترة بعض الطلاب غير المبعوثين واللذين كانوا يدرسون على نفقتهم الخاصة  مثل أحمد المهدي و الصادق المهدي و سامي محمد أحمد المحجوب وشقيقه سيد و بدر الدين هباني ،  وعمل الفكي عبد الرحمن خلال تلك  الفترة باتحاد الطلاب والذي كان من اعضائه الصادق المهدي ونفيسة احمد الأمين ومحمد خير عثمان ،
                                          ووصف ذلك الاتحاد (بالاتحاد القوي) لانه قام وللمرة الأولى بالمملكة المتحدة بقيادة أكبر مظاهرة للعرب ضد العدوان الثلاثي على مصر  ، وشارك خلال  تلك الفترة مع هيئة الإذاعة البريطانية بتقديم بعض اعمال شكسبير باللغة العربية ، وكان يقوم بإخراج تلك الأعمال الكاتب الكبير الطيب صالح
                                    عاد إلى السودان ومرة أخرى
تم ابتعاثه إلى بريطانيا لدراسة المسرح في الفترة من العام 1961 م إلى العام 1963 م ، وعند عودته طلبت منه وزارة المعارف العودة لبخت الرضا ولكن تعذر عليه العودة وجدانيا وفكريا لبخت الرضا ، وظل الأمر معلقا إلى أن التحق للعمل بمعهد مريدي ، والذي تم نقله إلى الشمال بفعل الحرب  ،حيث قام بتدريس مواد التاريخ والتربية الوطنية والمسرح   ، وكون فريق عمل بمعهد مريدي  ،وامتد جهده وقام ايضا بتكوين فريق عمل مسرحي بمعهد الدراسات بواسطةا سعاد إبراهيم محمد ، وبمعهد تدريب المعلمين العالي بام درمان وبمعهد تدريب المعلمات بأم درمان وبالمعهد الفني ( جامعة السودان حاليا) وقدم طلبته مسرحيات مجنون ليلى للشاعر أحمد شوقي والحاكم بأمر الله للكاتب توفيق الحكيم
                                    طلب منه أبو عاقلة يوسف بعد ذلك تأسيس قسم التمثيليات في الإذاعة السودانية وقبل التكليف ، وأستأذن عميد معهد مريدي فوافق  ،وفي بداية عمله قام بتصنيف المتعاونين معه إلى فئات ثلاثة على ان يكون هذا حسب اختبارات المعرفة العامة والتجربة المهنية ، وطالب رفع الأجر من خمسين قرشا إلى خمسة جنيهات وان تعد الإذاعة أحد الاستديو هات ليكون للعمل الدرامي  ،وأن يتم تزويده بمكتبة موسيقية ومؤثرات موسيقية للاستفادة منها في عمل الأصوات والمؤثرات التي تحتاجها التمثيليات ، ووافقت الإذاعة على تلك الاقتراحات ، في 1967/6/5 م تم تعيين الفكي عبد الرحمن مديرا للمسرح القومي السوداني والذي كان احد ملحقات الإذاعة ، وكان هذا التاريخ بداية تحول هأم في مسيرة المسرح القومي بام درمان  ،والذي صار مصلحة حكومية مستقلة لها مقوماتها وشخصيتها الاعتبارية وبنياتها الأساسية ، وقام بجهد كبير في انشاء بنياته الاساسية من صالة وخشبة ومكاتب الى ان بدا ذلك المسرح المبنى يتحول الى حركة مسرحية جادة منتظمة  ،وهو اول من بدا تطبيق ما يعرف بالموسم المسرحي وفق مقاييس اختيار النصوص التي تبدأ بالمحلي مرورا بالعربي فالأفريقي ثم العالمي  ،واتاح فرص الدراسة والتدريب لمعظم العاملين في بعثات تخصصية .
                                          يعتبر يوم 1967/10/22 م يوم خالد في تاريخ المسرح السوداني حيث تم وضع مايسمى بالموسم المسرحي الفني  ،وكانت باكورة ذلك مسرحية المك نمر من تأليف إبراهيم العبادي ومن اخراج الفكي عبد الرحمن ، وقد حققت تلك المسرحية نجاحا منقطع النظير ، لتتوالى بعد ذلك العروض المسرحية فكانت مسرحية (سنار المحروسة ) تأليف واخراج الطاهر شبيكة ، ومسرحية (إبليس) من تأليف خالد ابو الروس ومن اخراج أحمد عثمان عيسى  ،ومسرحية (أكل عيش ) تأليف واخراج الفاضل سعيد ، ليتم وضعالأساس  لنهضة مسرحية جديدة وكتابة تاريخ جديد للمسرح السوداني  .
                                       في أواخر العام 1972 م عين مديرا للفرقة القومية للفنون الشعبية والاستعراضية وفرقة العرائس المسرحية حتى العام 1974 م  ،وقام بضخ دماء جديدة للفرقة  ،واقنع وزارة المالية بخلق اربعين وظيفة بتعيين راقصين وراقصات من خريجي المدارس العليا  ،وان تهتم الدولة بأمر الفن الشعبي في مراحل التعليم المختلفة  ،ولازالت تلك الفرقة والى الان تقوم بتمثيلها المشرف للسودان في كثير من المحافل والمناسبات والمهرجانات الخارجية  ،وله كذلك الفضل في إنشاء فرقة الاكروبات السودانية في تلك الفترة واصبح مديرا لها عند إنشائها  ،وتولى بعد ذلك إدارة مركز الدراسات الفلكلورية ونفذ الكثير من المشاريع الثقافية وطاف  معظم انحاء السودان  ،واقام العديد من المعارض ، وله الفضل في تعيين الباحث الراحل الطيب محمد الطيب بمركز الدراسات الفلكلورية وذلك للاستفادة من امكانياته كرجل موسوعة في هذا المجال  ،واصدر مجلة وازا الفلكلورية ،. وطلب ان ينقل الى مصلحة السجون لان له مشروع يريد ان ينفذه وهو (السايكو – دراما) وهو تجريب الدراما مع المساجين وعن طريق هذا العمل المسرحي تستطيع ان تنفذ الى نفسياتهم ومعرفة مايعينهم ليكونوا اسوياء
توفي الفكي عبد الرحمن في منتصف العام 2002
                                        مسرح لكل العصور
                     من المسرح العالمي : السيد بونتيلا وتابعه ماتي
بقلم : بدرالدين حسن علي
                                إنها رائعة الكاتب المسرحي الكبير برتولد بريخت ، والبعض ينطقها برتولد بريشت ، ولن نجعل من هذا معركة !فهي مسرحية  التخرج  في معهد الموسيقى والمسرح عام 1973بمشاركة زملائي من الطالبات والطلاب : نعمات عبدالرحيم صبحي ، الطيب المهدي ، عزالدين هلالي ، إبراهيم أحمد بخيت ، عبدالحفيظ محمداحمد ، سيداحمد الطاهر ، عبدالعظيم كباشي وعمر الطيب الدوش ، أحرزت الدرجة الأولى وكانت المسرحية قدمت على خشية مسرح الفنون الشعبية " دار المرشدات سابقا بأم درمان " .
                                 إمتلأت القاعة عن آخرها ، وكان من بين الحضور إبن خالي عبدالله عثمان بابكر وصديقي الفاتح رحمة حيث قدما لي دعوة للسهر معهما والحديث عن المسرحية وعن برتولد بريخت والمسرح الملحمي .

                                   لم أكن في ذلك الوقت قد زرت ألمانيا الديمقراطية ، ولا شاهدت البرلين إنسامبل ، ولكن قرأت عددا من مسرحيات بريخت  مثل : بعل - طبول في الليل - إدوارد الثاني ملك إنكلترا - أوبرا الفروش الثلاثة - صعود وسقوط مدينة مهاجوني -حياة غاليليو - الإستثناء والقاعدة - الأم - دائرة الطباشير القوقازية وغيرها
                             إمتلأت قاعة المسرح بالجمهور والبعض ظل وقوفا ، كان ذلك أول عرض يسترشد بنظرية المسرح الملحمي مطبقا إرشادات برتولد بريخت ومسرح البرلين إنسامبل " المسرح الصغير " في برلين .
روعة وعظمة المسرحية في كونها لا تتحدث عن فكرة محورية ، ولا تتبنى أيدولوجية معينة ، وإنما تستمد مفهومها من الملاحم الشعبية التي يمكن أن نجدها في أي بقعة على ظهر الكوكب .
تتحدث المسرحية عن السيد بونتيلا المحاط بهالة من العظمة الأسطورية كأحد كبار الإقطاعيين في قريته ، هالة لا يهتم من أحاطوه بها بكونه أحد الظالمين الفسدة الذين يتناقض خطابهم بين قمة الفساد وقمة الإصلاح ، تماما كما يحدث اليوم في السودان / منتهى الفساد ولكنه بأمر الله ويقولون منتهى الإصلاح ، هذه المسرحية التي رأت النور في السبعينات لا يمكن.
 أن تقدم اليوم .
روعة بريشت أنه جعل السيد بونتيلا عندما يشرب وتأخذه نشوة الخمر وتسكره تظهر إنسانيته ، فيكتشف فداحة الجرم الذي إرتكبه في مجتمعه  فيقر بأنه رجل شديد السوء ، يحارب المباديء ويترصد أصحابها ، ثم يبكي ويتمنى أن تسقط الحواجز بينه وبين مجتمعه ، ثم يتوب ويتوب ، ويطلق تصريحا يحمل بين سطوره الأمل في التغيير ، ويتعهد فيه بلم شمل أهل القرية وتحقيق مطالبهم حتى يمكنه أن ينعم بينهم بحياة أكثر هناءا ، وأنه قرر التكاتف معهم بحكم موقعه لبناء غد اكثر إشراقا ، وعندما يفيق ويصحو من سكرته ينقلب إلى وحش حقيقي ، له مخالب الطبقة المستغلة وأنيابها ، وفيه قسوتها وخداعها ، إنه كائن عاد إلى أطماعه واستغلاله من جديد ، ونسي ما تعهد به وكأنه لم يكن ، وكأنه لم يسكر قط !!! الخمر في المسرحية رمز ؟؟؟؟
وبين سكر " السيد بونتيلا " وصحوته يظهر تناقض خطابه ، وتناقض الخمر واللبن ، وتضارب قراراته تضارب الليل والنهار ، وكأنما أخرج السكر حقيقته الكامنة ، وكشف ستر إحساسه الدفين بالذنب الذي يرتكبه في صحوته التي يحياها لحماية مصالحه وأملاكه ، ووصف رقاب معارضيه الذين يعترف بنبل مقاصدهم إذا سكر بأنهم من الغوغاء ، فيتراجع عن وعوده الطيبة وكلماته الرحيمة ، ويتنكر لكل تصرفات سكره التي تمثل قناعته بما ينبغي أن تكون عليه الحقيقة التي ينكرها في صحوته !
يبحث " السيد بونتيلا " عن أولئك الندامى الذين إعتاد إستمالتهم بدعوتهم للشراب ، فيجدهم وقد تساقطوا من على كراسيهم ثمالى بمن فيهم قاضي المدينة وصاحب الكلمة الرسمية العليا فيها ، فيرى نفسه وحيدا لن يسمعه أحدهم وإن تحدث عن مغامراته ومشاريعه فلن يسمعه إلا ساقي الحانة ، ذلك الذي كثيرا ما استخدمه فسبر غوره وعرف أبعاده وثمنه ، فأنفت نفسه عن منادمته ، وفجأة يقبل تابعه " ماتي " بعد أن تركه السيد ينتظر في الخارج كثيرا ، يدخل وقد لسعه البرد والجوع ، فيقبل على بقايا مائدة السيد يتناول فتاتها مرغما مكرها ، ربما ناعيا حاله وما وصلت إليه وكيف أنه الأولى بالمكانة التي يرفل فيها سيده ، ومع ذلك ف " ماتي " لا يفارقه عقله البارد ومحاولته للظهور بمظهر الذكي المتزن ، أو السياسي المحنك ، عسى أن يمكنه ذلك من إقتناص فرصة تضمن له بعضا من الإنتعاش المحدود الذي لا يمكن لتفكيره الضعيف أن يصل إلى أبعد منه ، فيسعى لإختبار إنسانية سيده السكران ، فيحكي في إحتيال خائب وسذاجة بادية عن قصص الأشباح التي تظهر في ضيعة السيد وكيف أن رائحة اللحم المشوي كفيلة بإبعادها !!
ولكن السيد لم يكن أبدا بذلك الغباء ، حتى في حالات سكره الذي لم يمنعه من طرد ذلك العامل الإشتراكي الذي تجرأ وطالب بحقوق العمال ، فأذنه ترفض سماع ما لا يحب سماعه ، وهو يعلم جيدا ما يخطط له تابعه " ماتي " حتى وإن توقف طموحه عند قطعة من اللحم المشوي ، فيغير الموضوع بحرفنة من يجيد المراوغة ، ويحدثه مضطرا فلم يبق غيره نديما ، يحدثه عن خطاياه في حق أهل القرية ، وكيف أنه يتمنى أن يجعل من صديقه " ماتي " وكيلا عنه يرعى شؤون العاملين في المزرعة والقصر ، يحدثه عن طموحاته الخاصة ومشاكل جشعه المادي والمعنوي ، وكيف أنها تحتاج لتمويل لن يتحقق إلا باستغلال مزرعة القرية الكبرى التي منحته تلك الهالة الأسطورية وقصرها المنيف ، أو بالغرق في بحار الود والغرام مع تلك الشمطاء العجوز التي تطمع في تنوير المزرعة لتنتعش مزرعتها المقابلة على الطرف الأخر من القرية .
يصمت " ماتي " ولا ينصح سيده بشيء ، يتركه يواجه مصيره المحتوم عندما يثور أهل القرية ، إضافة إلى أن ما يقوله السيد يخرج عن نطاق إستيعابه الذهني وطموحه السياسي الذي توقف عند قطعة اللحم المشوي !فينهضان لمغادرة الحانة ، "ماتي " مرغما ، يحمل ذلك الفاقد الوعي القاضي السكران بخمر السيد ، وأمامه يمضي السيد مترنحا ثملا ، يرغمه على التوقف مرة بعد أخرى لسماع خططه عن المستقبل ، بينما " ماتي " يئن من وطأة ثقل القاضي على كتفه ، ويخشى الإعتراض على الحمولة أو التملل من سماع السيد ، وترتسم على وجهه علامات  البلاهة ظانا أنه يمنع نصحه وخبراته السياسية عن سيده بونتيلا ، بينما الحقيقة أن منتهى تفكيره توقف عند حدود قطعة اللحم المشوي .